مؤرخ الاسلام الطبري
شهد القرن الثالث ظهور عدد من كبار مؤرخي الإسلام الذين لا تزال كتبهم مراجع لا لتاريخ الإسلام وحده بل لتاريخ الأمم الأخرى منذ الخليقة. ومن أشهرهم البلاذري صاحب ((أنساب الأشراف)) و ((فتوح البلدان)) واليعقوبي صاحب ((تاريخ اليعقوبي)) والطبري صاحب ((تاريخ الرسل والملوك)). على أن أبرز هؤلاء جميعا كان الطبري الذي وصفه ياقوت في ((معجم الأدباء)) بقوله: ((وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره. وكان حافظاً لكتاب الله عز وجل، عارفا بالقرآن بصيراً بالمعاني، فقيها بأحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم)).
لقد كان الطبري من ابرز أولئك العلماء الموسوعيين الذين تخرجوا من مدرسة الإسلام فجمعوا بين مختلف العلوم كما نرى من وصف ياقوت، وجاءت ثمرات أقلامهم جامعة لشتى العلوم والمعارف بالإضافة إلى موضوعاتهم. ولا نبالغ إذا قلنا بأنه بالرغم من مرور أكثر من أحد عشر قرنا على وفاته فلا يزال دارسو التاريخ والفقه ضيوفاً على مائدته الحافلة بألوان المعارف وبخاصة على أثرين شامخين من آثاره وهما تاريخه الكبير وتفسيره كتاب الله تعالى بدون أن يرد هذين الينبوعين العظيمين.
ولد هذا العالم الكبير والمؤرخ الفذ عام 214 من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مدينة آمل من طبرستان حيث تجلت علائم نبوغه في صغره. ويقول هو نفسه في هذا:
((حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين.)).
ويذكر الطبري أن من أسباب إقباله منذ الصغر على العلم تشجيع والده له، ولذلك قصة طريفة يرويها بقوله:
((ورأى لي أبي في النوم أني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معي مخدة مملوءة حجارة وأنا أرمي بين يديه. فقال له المعبر (عن الحلم): ؟ إنه إن كبر نصح في دينه وذب عن شريعته، فحرص أبي علي معونتي علي طلب العلم، وأنا حينئذ صبي صغير)).
ورحل الطبري كباقي علماء المسلمين إلى عدد من الأمصار الإسلامية طلبا للعلم. فدرس الحديث في الري حيث أخذ عن محمد بن حميد الرازي (نسبة إلى الري). ثم رحل إلى بغداد. وكان في نفسه أن يسمع من أبي عبد الله أحمد بن حنبل. ولكن هذا كان قد توفي قبل ذلك. فقرأ على من لقيهم من شيوخ بغداد. ثم رحل إلى البصرة ثم إلى الكوفة حيث أخذ الحديث عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني.
وليس أدل على إخلاص الطبري في تحصيل العلم من هذه القصة التي حدثت له مع أبي كريب. فقد كان هذا يتشدد في قبول طلاب العلم. وحدث ذات يوم أن ذهب الطبري مع غيره من الطلاب إلى بيته يلتمسون الدخول. فأطل عليهم من كوة في الحائط وقال لهم:
- أيكم يحفظ ما كتب عني ؟
فالتفت بعضهم إلى بعض. ثم نظروا إلى الطبري وقال أحدهم:
- هل تحفظ ما كتبت عنه ؟
فلما أجاب الطبري بالإيجاب قال الطلبة لأني كريب بأن الطبري يحفظ ما كتب عنه. فأخذ يسأله والطبري يجيب حتى عظم في نفسه فقال له:
- أدخل.
ودخل الطبري دون الباقين.
وقصد الطبري بعد ذلك مصر. ووفد على الفسطاط سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وهناك أطلع على الكثير من علوم مالك والشافعي وابن وهب. وبعد رحلات أخرى استقر به المقام في بغداد حيث انصرف انصرافاً كلياً للتدريس والتأليف.
وكان الطبري عالي الهمة ومن أصحاب القدرات النادرة على التحصيل.. وتروى عجائب كثيرة عن قدرته هذه. ومما رواه هو نفسه القصة التالية. قال:
(( لما دخلت مصر، لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي يتحقق به. فجاءني يوما رجل فسألني عن شيء من العروض ولم أكن نشطت له قبل ذلك.
فقلت له:
- علي قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض. فإذا كان في غد فصر إليّ.
وطلبت من صديق لي ((العروض)) للخليل بن أحمد فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضياً.))
ومن أعجب أمره في العلم تأليفه لأثريه الشامخين وهما تفسيره للقرآن وتاريخه. وروي أنه عندما همّ بتفسير القرآن سعى كعادة علماء المسلمين إلى إشراك طلبته في العمل فقال لهم:
- أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا:
- كم يكون قدره ؟
قال:
- ثلاثون ألف ورقة.
فضجوا قائلين:
- هذا ما يغني الأعماء قبل تمامه.
ولم يسع الطبري إلا ان اختصروه في نحو ثلاثة آلاف ورقة. وحدث مثل ذلك لتاريخه فاختصره إلى عشر حجمه.
أما تاريخه فلم يزل مرجعاً لكل معنى بالتاريخ الإسلامي منذ تأليفه. وهو تاريخ عالمي يتناول تاريخ العالم منذ الخليقة ويتوسع في أخبار الأمة الإسلامية بطريقة حولية، أي يتناول الأحداث سنة بعد سنة.
وأظهر الطبري في أخباره نزاهة كبيرة، أذ أورد مختلف الروايات عن الأحداث مصدرة بالسند، أي بسلسلة الرواة. وقد طبع كتابه عدة طبعات تقع الطبعة الأوروبية منها في 14 مجلداً. وقد أفاد من كتابه من لحقه من المؤرخين المسلمين.
ويعتبر تفسيره للقرآن من أشهر التفاسير وأقومها، ويقع في ثلاثين جزءا في طبعته الحديثة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عنه: ((أما التفاسير التي في ايدي الناس، فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين..)).
ويتناول الطبري آيات القرآن آية آية، فيفسرها ويستشهد على ما قاله بروايات يسندها إلى الصحابة والتابعين ويورد مختلف الأقوال في الآية الواحدة، ويرجع يعض الروايات على بعض. ولا يعتمد الطبري التفسير بمجرد الرأي؛ ويشدد على ضرورة الرجوع إلى الصحابة والتابعين.
وتخلق الطبري بأخلاق أهل العلم، فكان موضع إعجاب معارفه ومعاصريه. كان حسن المظهر، شديد التهذيب يحرص أشد الحرص على آداب العشرة دائم العناية بأصحابه منبسطا مع إخوانه.
وكان عزيز النفس لا يقبل هدية إلا إذا كان في استطاعته أن يهدي مثلها.
أهدى إليه أبو علي محمد بن عبيد الله الوزير رماناً فقبله وفرقه في جيرانه، فلما كان بعد أيام بعث غليه زنبيلا فيه عشرة آلاف درهم، وقال الوزير لمن حملها: إن قبلها والا فسلوه أن يفرقها في أصحابه ممن يستحق.
ولكن الطبري أبي قبول الدراهم، ورفض كذلك تفريقها في أصحابه قائلاً:
الوزير أعرف بالناس إذا أراد ذلك.
وأهدى إليه أبو الفرج ابن أبى العباس الأصبهاني الذي كان يقرأ عليه كتبه حصيراً لصفة صغيرة له.
فلما خرج أبو الفرج دعا الطبري ابنه ودفع إليه أربعة دنانير فأبى ان يأخذها. إلا أن الطبري رفض أن يأخذ الحصير إلا بالثمن.
وكان الطبري ينظم أوقاته فيقسمها بين الدرس والعبادة. كان يصلي الظهر في بيته، ثم يخرج فيصلي العصر ويجلس يقرأ على الناس إلى المغرب، ثم يعود فيجلس للفقه والدرس إلى عشاء الآخرة ثم يدخل منزله.
وقد توفي الطبري في بغداد عام 310 هـ بعد حياة حافلة بالدرس والتدريس والرحلة في طلب العلم.
فاجتمع على جنازته عدد لا يحصى من الناس. وصلى الناس على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً، ورثاه كثرة من الشعراء. قال أحدهم: إن المنية لم تتلف به رحلا بل أتلفت علما للدين منصوبا.
لقد كان الطبري من ابرز أولئك العلماء الموسوعيين الذين تخرجوا من مدرسة الإسلام فجمعوا بين مختلف العلوم كما نرى من وصف ياقوت، وجاءت ثمرات أقلامهم جامعة لشتى العلوم والمعارف بالإضافة إلى موضوعاتهم. ولا نبالغ إذا قلنا بأنه بالرغم من مرور أكثر من أحد عشر قرنا على وفاته فلا يزال دارسو التاريخ والفقه ضيوفاً على مائدته الحافلة بألوان المعارف وبخاصة على أثرين شامخين من آثاره وهما تاريخه الكبير وتفسيره كتاب الله تعالى بدون أن يرد هذين الينبوعين العظيمين.
ولد هذا العالم الكبير والمؤرخ الفذ عام 214 من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مدينة آمل من طبرستان حيث تجلت علائم نبوغه في صغره. ويقول هو نفسه في هذا:
((حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين.)).
ويذكر الطبري أن من أسباب إقباله منذ الصغر على العلم تشجيع والده له، ولذلك قصة طريفة يرويها بقوله:
((ورأى لي أبي في النوم أني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معي مخدة مملوءة حجارة وأنا أرمي بين يديه. فقال له المعبر (عن الحلم): ؟ إنه إن كبر نصح في دينه وذب عن شريعته، فحرص أبي علي معونتي علي طلب العلم، وأنا حينئذ صبي صغير)).
ورحل الطبري كباقي علماء المسلمين إلى عدد من الأمصار الإسلامية طلبا للعلم. فدرس الحديث في الري حيث أخذ عن محمد بن حميد الرازي (نسبة إلى الري). ثم رحل إلى بغداد. وكان في نفسه أن يسمع من أبي عبد الله أحمد بن حنبل. ولكن هذا كان قد توفي قبل ذلك. فقرأ على من لقيهم من شيوخ بغداد. ثم رحل إلى البصرة ثم إلى الكوفة حيث أخذ الحديث عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني.
وليس أدل على إخلاص الطبري في تحصيل العلم من هذه القصة التي حدثت له مع أبي كريب. فقد كان هذا يتشدد في قبول طلاب العلم. وحدث ذات يوم أن ذهب الطبري مع غيره من الطلاب إلى بيته يلتمسون الدخول. فأطل عليهم من كوة في الحائط وقال لهم:
- أيكم يحفظ ما كتب عني ؟
فالتفت بعضهم إلى بعض. ثم نظروا إلى الطبري وقال أحدهم:
- هل تحفظ ما كتبت عنه ؟
فلما أجاب الطبري بالإيجاب قال الطلبة لأني كريب بأن الطبري يحفظ ما كتب عنه. فأخذ يسأله والطبري يجيب حتى عظم في نفسه فقال له:
- أدخل.
ودخل الطبري دون الباقين.
وقصد الطبري بعد ذلك مصر. ووفد على الفسطاط سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وهناك أطلع على الكثير من علوم مالك والشافعي وابن وهب. وبعد رحلات أخرى استقر به المقام في بغداد حيث انصرف انصرافاً كلياً للتدريس والتأليف.
وكان الطبري عالي الهمة ومن أصحاب القدرات النادرة على التحصيل.. وتروى عجائب كثيرة عن قدرته هذه. ومما رواه هو نفسه القصة التالية. قال:
(( لما دخلت مصر، لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي يتحقق به. فجاءني يوما رجل فسألني عن شيء من العروض ولم أكن نشطت له قبل ذلك.
فقلت له:
- علي قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض. فإذا كان في غد فصر إليّ.
وطلبت من صديق لي ((العروض)) للخليل بن أحمد فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضياً.))
ومن أعجب أمره في العلم تأليفه لأثريه الشامخين وهما تفسيره للقرآن وتاريخه. وروي أنه عندما همّ بتفسير القرآن سعى كعادة علماء المسلمين إلى إشراك طلبته في العمل فقال لهم:
- أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا:
- كم يكون قدره ؟
قال:
- ثلاثون ألف ورقة.
فضجوا قائلين:
- هذا ما يغني الأعماء قبل تمامه.
ولم يسع الطبري إلا ان اختصروه في نحو ثلاثة آلاف ورقة. وحدث مثل ذلك لتاريخه فاختصره إلى عشر حجمه.
أما تاريخه فلم يزل مرجعاً لكل معنى بالتاريخ الإسلامي منذ تأليفه. وهو تاريخ عالمي يتناول تاريخ العالم منذ الخليقة ويتوسع في أخبار الأمة الإسلامية بطريقة حولية، أي يتناول الأحداث سنة بعد سنة.
وأظهر الطبري في أخباره نزاهة كبيرة، أذ أورد مختلف الروايات عن الأحداث مصدرة بالسند، أي بسلسلة الرواة. وقد طبع كتابه عدة طبعات تقع الطبعة الأوروبية منها في 14 مجلداً. وقد أفاد من كتابه من لحقه من المؤرخين المسلمين.
ويعتبر تفسيره للقرآن من أشهر التفاسير وأقومها، ويقع في ثلاثين جزءا في طبعته الحديثة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عنه: ((أما التفاسير التي في ايدي الناس، فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين..)).
ويتناول الطبري آيات القرآن آية آية، فيفسرها ويستشهد على ما قاله بروايات يسندها إلى الصحابة والتابعين ويورد مختلف الأقوال في الآية الواحدة، ويرجع يعض الروايات على بعض. ولا يعتمد الطبري التفسير بمجرد الرأي؛ ويشدد على ضرورة الرجوع إلى الصحابة والتابعين.
وتخلق الطبري بأخلاق أهل العلم، فكان موضع إعجاب معارفه ومعاصريه. كان حسن المظهر، شديد التهذيب يحرص أشد الحرص على آداب العشرة دائم العناية بأصحابه منبسطا مع إخوانه.
وكان عزيز النفس لا يقبل هدية إلا إذا كان في استطاعته أن يهدي مثلها.
أهدى إليه أبو علي محمد بن عبيد الله الوزير رماناً فقبله وفرقه في جيرانه، فلما كان بعد أيام بعث غليه زنبيلا فيه عشرة آلاف درهم، وقال الوزير لمن حملها: إن قبلها والا فسلوه أن يفرقها في أصحابه ممن يستحق.
ولكن الطبري أبي قبول الدراهم، ورفض كذلك تفريقها في أصحابه قائلاً:
الوزير أعرف بالناس إذا أراد ذلك.
وأهدى إليه أبو الفرج ابن أبى العباس الأصبهاني الذي كان يقرأ عليه كتبه حصيراً لصفة صغيرة له.
فلما خرج أبو الفرج دعا الطبري ابنه ودفع إليه أربعة دنانير فأبى ان يأخذها. إلا أن الطبري رفض أن يأخذ الحصير إلا بالثمن.
وكان الطبري ينظم أوقاته فيقسمها بين الدرس والعبادة. كان يصلي الظهر في بيته، ثم يخرج فيصلي العصر ويجلس يقرأ على الناس إلى المغرب، ثم يعود فيجلس للفقه والدرس إلى عشاء الآخرة ثم يدخل منزله.
وقد توفي الطبري في بغداد عام 310 هـ بعد حياة حافلة بالدرس والتدريس والرحلة في طلب العلم.
فاجتمع على جنازته عدد لا يحصى من الناس. وصلى الناس على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً، ورثاه كثرة من الشعراء. قال أحدهم: إن المنية لم تتلف به رحلا بل أتلفت علما للدين منصوبا.
ارتباطات خاصة بالموضوع :
الطبري ويكبيديا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق