٢٦‏/٤‏/٢٠٠٧

درسُ مهزلة الانتخابات: اهتزّ النظام الأسديّ بالمقاومة السلبية، فماذا لو تطوّرت إلى فعلٍ إيجابيّ؟!..

د. محمد بسام يوسف المركز الإعلامي
الأربعاء 25 نيسان 2007

لعلّ التشنّج الذي ظهر واضحاً على تصريحات بعض المسؤولين السوريين من أركان الزمرة الأسدية وأبواقها.. لعله السمة الأبرز التي وسمت آخر نسخةٍ من مهازل النظام الانتخابية، التي جرت (كالعادة) في ظل المادة الثامنة للدستور الأسديّ، وتحت ظلال الأحكام العُرفية وقوانين الطوارئ المفروضة على الشعب السوريّ منذ أربعةٍ وأربعين عاماً، وخلال هيمنة مافيات الأجهزة المخابراتية الخمسة عشر، وتسلّط حكمٍ فئويٍ بوليسيٍ يعتدي على أبسط الحقوق الإنسانية، ودكتاتورية نظامٍ استبداديٍ مُفلس، لا سلاح لديه سوى البطش والقمع والاضطهاد وانتهاك الكرامة الإنسانية للسوريين!..انتهت مهزلة (العُرس) الأسديّ خلال يومين، كانت خلالهما ما تُسمى بالمراكز الانتخابية خاويةً، إلا من رجال القمع وموظّفي البعث الحاكم، والأيدي الخفيّة المدرَّبة على تحويل (الأبيض) إلى (أسود)، وذلك قبل أن يرتدَّ بصرُ الناخب (إن وُجِد) إليه!.. انتهت المهزلة، وستُعلَن النتائج التي قرّروها مسبقاً قبل بدء عُرسهم الباهت، وسيصل إلى ما يسمى بمجلس الشعب مئة وسبعون من أعضاء النظام الحاكم ومَواليه وأزلامه، وثمانون من عملائه السرّيّين المدرجة أسماؤهم في (قوائم الظل) و(ظلّ الظلّ)، ثم سيجتمع الواصلون الوصوليون المئتان والخمسون في (قاعة الصالحية).. سيجتمعون على شكل بصمة الإبهام الأيسر لرأس النظام، حاملين معهم: أكفَّهم المدرَّبة على التصفيق، وحناجرَهم الهتّافة بحياة الزمرة الحاكمة، وألسنتَهم الخبيرة بشعارات (الروح والدم)، ومستقبِلاتهم الخاصة بـ (الريموت كونترول) المستقرّ على مكتب رئيس مخابرات الجمهورية الوراثية، وبعضَ (الأزرار) المحشوّة في أدمغتهم، من تلك التي تعمل باللّمس كأيٍّ من آلات التسجيل الإليكترونية (السيريلانكية)، وشيكّاتهم المصرفية، وحقائبَهم الدبلوماسية التي تُخفي داخلها أنخابَ أضخم عملية احتيالٍ وتزويرٍ لإرادة شعبنا السوريّ الأصيل!..قبل بدء المهزلة، حثّ الشرفاءُ السوريون وقواهم الحية بكل أطيافهم على مقاطعتها، وفي حقيقة الأمر، فإنّ الشعب السوريّ ليس بحاجةٍ لمثل هذه الدعوة إلى المقاطعة، لأنه يعي تماماً الحقائق التي خَبِرَها طوال أكثر من أربعة عقودٍ مريرة، فقاوم المهزلة بموقفه السلبيّ منها، ورفع بذلك الغطاءَ الشعبيّ الذي كان يستغلّه نظام الاستبداد المتاجر بآمال الشعب وآلامه، ليزوِّرَ حقيقة ممارساته القمعية الصارخة!.. وحين وجد النظام المتهالك نفسَه عارياً تماماً أمام شعبه وأمام العالَم كله مؤخَّراً.. طار صوابه، وطاش حجره، وفقد ما تبقى من اتزانه، فراح أزلامه يكيلون الاتهامات يميناً ويساراً، لأنها السلاح المثلوم الأخير الذي بقي بين أيديهم الوالغة في كرامة سورية وشعبها الأبيّ الأصيل.. فكانت تصريحاتهم على درجة وَجَعِهِم، وتلميحاتهم على قدر خَيبتهم، وافتراءاتهم على قدّ عقولهم!..فالشعب السوريّ الشامخ الذي رفض أن يكونَ بيدقاً في رقعة الزمرة المارقة، تماماً كما رفض منذ عشرات السنين أن يكونَ أداةً من أدوات الاستعمار.. هذا الشعب الشامخ الكريم، ليس –برأي الوزيرة بثينة شعبان- إلا ثلةً من (المنهزمين نفسياً والمتواطئين الذين لا يرغبون ببناء البلاد)، فهم (عملاء الولايات المتحدة الأميركية)!.. باعتبار أنّ النظام الحاكم –برأي القائد البعثيّ سليمان قدّاح- (يتصدّى للمخطّطات المعادية الصهيونية والأميركية)!..ربما نسيت (بثينة شعبان) الناطقة الرسمية باسم المؤتمر القطريّ البعثيّ الأخير، كيف كانت ترتمي بتصريحاتها العلنية أمام الصحفيّين، متملِّقةً العدوّ الصهيونيّ والإدارة الأميركية، مؤكِّدةً على إخلاص نظامها لهما، موضِّحةً أنه لن يكونَ في سورية أفضل من نظامها للتعامل معهما!.. ولعلّ بثينة فقدت ذاكرتها، فلم تعد تتذكّر واقعة المصافحة المتلفَزَة (العار) بين (بشار أسد) ورئيس الكيان الصهيونيّ (كاتساب)، ولا زيارة التنسيق التي قام بها وزير خارجية النظام (وليد المعلِّم) لما تُسمى بالمنطقة الخضراء الأميركية في بغداد المحتلّة.. وقد يكون قد غاب عن ذهنها -في زحمة تشنّجها الموجِع- تواطؤ نظامها مع المخابرات الأميركية، وتعاونه التام وتنسيقه الكامل معها فيما يسمى بمكافحة الإرهاب، إلى الدرجة التي دفعت أحد المسئولين الأمنيين الأميركيين، للتصريح العلنيّ منذ أربع سنواتٍ لصحيفة (الواشنطن بوست): (إنّ سورية قدّمت في السابق معلوماتٍ جيدةً عن أعداء أميركة، ونحن نتعاون معها في مجال مكافحة الإرهاب، وذلك ضمن اتفاقات تعاونٍ بين الطرفين)!.. أو ربما لم تُسعِف بثينةَ ذاكرتُها لاسترجاع تصريحات زعيمها (بشار أسد) عن (استعداده لتقديم الخبرة الأسدية للولايات المتحدّة الأميركية، في مجال محاربة أعداء أميركة)!.. ربما نسيت (بثينة شعبان) كل ذلك، لكنها حتماً لم تنسَ المفاوضات السرّية والعلنية، التي قام بها وما يزال يرتكبها، ابنُ القرداحة وشقيق اللواء بهجت سليمان وقريب بشار أسد ورجل الأعمال الأميركي السوري: (إبراهيم سليمان)، الذي كُشِفَت كلُ تحركاته التي فوّضه بها (بشار أسد) ووزير خارجيته (وليد المعلم) ومعاون نائب رئيس النظام اللواء المخابراتي (محمد ناصيف).. وكُشِفَ ما تمخّض عنها من زيارة الوسيط (سليمان) للكنيست (الإسرائيليّ) مؤخراً، وذلك بعد ثماني جولاتٍ من المفاوضات السرّية بين الطرفين في أوروبة، طوال ثلاث سنواتٍ ماضية، وكان الهدف من كل ذلك هو الحفاظ على كرسيّ النظام، والارتماء في أحضان أميركة!.. فماذا تُسمى كل هذه العلاقات والتحرّكات يا بثينة ويا ابن قدّاح؟!.. هل هي ممانعة ووقوف بوجه المخطّطات الصهيونية والأميركية؟!..نلفت إلى أننا نجد أنفسنا غير مَعنيّين بزعم مَن زعم، بأنّ (المعارضة السورية هامشية تقف على رصيف المجتمع)، لأنه ليس من مهماتنا النـزول إلى مستوى أصحاب الدكاكين (الأثرية) التي تُسمي نفسها أحزاباً، بينما لا تصلح حتى أن تكونَ (تُحفةً) من (تُحَفِ) الأزمان الغابرة، مركونةً في إحدى زوايا (مُتحف دمشق الوطنيّ)، فربما كانت وطأة الحدث الذي قاطع خلاله شعبُنا المهزلةَ الانتخابية.. ثقيلةً على رؤوسهم وصدورهم الحانقة!.. فضلاً عن أننا مقتنعون، بأنّ مَن رضي لنفسه ودكّانه أن يكونَ مجرّد (حجرٍ) أو (بلاطٍ) مرصوفٍ في ذلك الرصيف الذي يتحدّث عنه.. غيرُ جديرٍ بالحديث عن كبريات القضايا الوطنية السورية، فهذه لها رجالها وأبناؤها البررة الذين لا يُباعون ويُشتَرون بثمنٍ بخس!..نودّع آخر مهزلةٍ من مهازل النظام الحاكم، ونرقب فقدانه ما تبقى من اتزانه، ونشهد تَرَنّحه بمجرّد معارضةٍ سلميةٍ سلبية، وحتماً لن نتأسّفَ عليه يوم يتهاوى، تحت طَرقات معارضَةٍ تعرف كيف تُطَوِّر عملها إلى فعلٍ إيجابيٍّ بنّاء، لدحر الاستبداد الأسديّ الذي أثبتت مهزلةُ الانتخابات الأخيرة، أنّ بناءه أوهن من بيت عنكبوت، وأضعف من جناح بعوضة!..

ليست هناك تعليقات: